أبو نصر الفارابي
112
كتاب السياسة المدنية
ولا تقتل إلا حيث تعلم أن لها في ذلك نفعا من أحد الأشياء الشريفة . فإذا أتتها الأشياء التي هي مقصودها بلا غلبة ولا قهر إما بمثل وجود كنز أو أن تكفى من غيرها أو أن يبذل لها إنسان ما ذلك الشيء طوعا ، لم ترده ولم تلتفت إليه ولم تأخذه منه . فهؤلاء أيضا يسمون كبيري الهمم ذوي نخوة . وأهل المدينة الأولى إنما يقتصرون على الضروري من المقهور متى حصل له الغلبة . وربما كافحت وجاهدت جهادا عظيما على مال يمنع منه أو نفس تمنع منه في ذلك حتى إذا ظفرت وصارت منه بحيث ينفذ عليه حكمها وهواها تركته ولم تأخذه . فهؤلاء قد يمدحون أيضا ويكرمون على هذا ويجلون . وكثير من هذه الأشياء قد يستعملها محبو الكرامة حتى يكرموا عليها . والمدن التغلبية هي مدن الجبارين أكثر من الكرامية . وقد يعرض لأهل مدينة اليسار ولأهل مدينة اللعب والهزل أن يظنوا أنهم هم المغبوطون والسعداء والفائزون ، وأنهم هم أفضل من سائر أهل المدن . ويعرض لهم لأجل ظنونهم بأنفسهم استهانة بمن سواهم من أهل المدن ، وأن من سواهم لا قدر لهم ومحبة وكرامة على ما سعدوا به عند أنفسهم . فيعرض لهم صلف وبذخ وافتخار ومحبة للمديح وأن من سواهم لا يهتدون إلى ما اهتدوا هؤلاء إليه ، وأنهم لذلك أغبياء عن إحدى هاتين السعادتين . ويولدون لأنفسهم أسماء يحسنون بها سيرتهم : مثل أنهم المطبوعون وأنهم الظرفاء وأن غيرهم